آية الأسبوع

آية الأسبوع:

{كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} سورة ص آية 29

حديث شريف

حديث نبوي شريف:

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده.


دعاء الأسبوع

دعاء الأسبوع:

اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وذنوبنا اللهم اجعلنا من الذين يتلونه آناء الليل وأطراف النهار اللهم اجعله حجتاً لنا لا علينا اللهم اجعله شافعا لنا يوم القيامة

مقتطفات من مقالات الموقع

بعد غياب دام لشهور استوجبته بعض الظروف الشخصية و حاجة للوقوف مع النفس و للتأمل في أهداف الموقع و الطموح للتجديد في محتواه، يسرني أن أعلمكم بإذن الله باستئناف نشر المقالات و الدروس الهادفة، و انطلاق سلسلة أحكام تجويد القرآن الكريم المدرجة بعنوان "و رتل القرآن ترتيلا"، نسأل الله تعالى التوفيق و السداد لما فيه خير و أن يتقبل منا و منكم صالح الأعمال و يجعلنا من أهل القرآن.

الاثنين، 16 يناير 2012

الأدلة العقلية للقراَن الكريم في إثبات الخلق والتوحيد والبعث 3




الأدلة العقلية للقراَن الكريم في إثبات الخلق والتوحيد والبعث 



معجزة خلق الإنسان هي من أعظم المعجزات الدالة على وجود خالق عليم قادر على بعث الناس وخلقهم من جديد يوم القيامة
أ د/مصطفى عبد المنعم
الأستاذ بكلية الطب – جامعة طيبة المدينة المنورة


ثالثاًًً: أدلة القراَن الكريم على البعث:
1- دليل عدم عبثية الخلق:
قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون / 115).
انظر إلى المخ البشري كيف خلق الله فيه مائة وعشرين مليار خلية عصبية ترتبط كل خلية في المتوسط بنحو عشرة آلاف خلية أخرى في ترابط معجز













هذا دليل عقلي.. إن هذا الخلق العظيم لا يمكن أن يكون عبث .. فكيف تكون نهايته إلى تراب.. فيتساوى 
الصالح والطالح.. القتيل والقاتل.. الظالم والمظلوم.. فيكون الأمر عبث.. بل ويكون مدعاة للفساد في الأرض.. إن عدم العبثية في الخلق تستوجب أن تكون هناك قيامة يحاسب فيها الناس على أعمالهم. أنظر إلى أي جهاز من أجهزة الجسم لتجده ليس بعبث، انظر إلى المخ البشري كيف خلق الله فيه مائة وعشرين مليار خلية عصبية ترتبط كل خلية في المتوسط بنحو عشرة آلاف خلية أخرى في ترابط معجز ليتم الشعور بالإبصار والسمع والشم واللمس وكذلك لتكون هناك قدرة على الكلام والحركة والتفكير والإدراك وتخزين ملايين الكلمات والصور والأسماء والأماكن والروائح والقدرة على تذكرها فور رؤيتها ولو بعد سنين، ومن الناس من يُسَخِرَ ذلك العطاء المبهر في الطاعة ومنهم من يسخره في المعاصي.. منهم الأنبياء والصديقين والشهداء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي.. ومنهم هتلر وقارون وهامان.. ثم بعد ذلك يموت الإنسان ، وينتهي الأمر، فيتساوي الأخيار والفجار!؟ أليس هذا عبث؟ لقد شنع الله تعالى على من هذا ظنه
قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الجاثية آية 31)
وقال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ) (غافر آية 58)
وقال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) (السجدة آية 18).
وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً )(القيامة / 36).
أي يترك هملاً وهو الذي خلقه الله تعالى بعنايته منذ كان نطفة فعلقة ثم سواه الله تعالى فجعل منه الذكر والأنثى، فإذا كان منذ بداية حياته في عناية الله ورعايته، فكيف يهمل في اَخرها؟
وعقَب الله تعالى على هذه الاَيه الكريمة {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} (المؤمنون / 115).
بهذا التعقيب الرائع في قوله سبحانه (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) (المؤمنون / 116).
لقد نزه الله تعالى نفسه في أول الآية بقوله سبحانه ( فتعالى) فباعد بينه وبين ما يدعون بالباطل، ثم دعانا لاستحضار اسمين من أسمائه الحسنى (الملك الحق) فالملك هو الذي يضع القوانين لا أنتم والحق منزه عن باطلكم وعما تصفون.
2- دليل الخلق الأول:
قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (الروم/27)
إن الذي يخلق شيئاً أول مرة يقدر على إعادته.. بل هو على إعادته أقدر. وكلٌ عليه هين سبحانه..
وقال تعالى في الرد على المكذب المعاند:
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) (يس/78)
أي لم يعتبر بخلق الله تعالى له على قدرته على إعادته بعد موته
وقال تعالى في سورة الحج في رد واضح صريح على من ينكر البعث:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ). (الحج / 5- 7).
لقد استحضر القراَن الكريم سؤال من يشك في البعث (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) وجعل الإجابة هو الواقع الذي لا يملك أحد إنكاره من مراحل الخلق المعجز في الأرحام (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) وتبعها بمراحل حياة الإنسان في هذه الأرض (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) ويختم الآية بهذا التقرير الحاسم (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ). فلا حجة لمعاند أن يتبرأ من دليل يحمله في نفسه من يوم خُلق إلى يوم يموت يشهد لله بأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير.
ويعاود القراَن الكريم التذكير بهذه الحقيقة الدامغة مرة بعد مرة فيقول تعالى:
(وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) (مريم/66- 67)
فلماذا ينسى الإنسان خلقه هو مع علمه أنه خلق من شيء لا يذكر.
وقال تعالى: (وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً ، أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً) (الإسراء/ 49-51).
إن الإنسان قد يغفل عن شيئ غائب عنه، ولكن كيف يغفل عن دليل يحمله بين جنبيه طوال حياته.

إن التعقيد في خلق الإنسان لهو من أعظم الأدلة على وجود إله مبدع عليم يستحق العبادة

3- دليل قدرة الله تعالى في خلق الإنسان:
قال تعالى: (أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَه بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) (القيامة/3-4)
إن الناظر في عجيب صنعة الله في كل جزء من أجزاء الجسم البشري، لا بد وأن يقر لله تعالى بكمال القدرة وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير.
4- دليل إخراج الحي من الميت والميت من الحي:
قال تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ) (الروم/ 19)
في الاَية دليلان، نتعامل أولاً مع الأول منهما وهو إخراج الحي من الميت والميت من الحي: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ). كإخراج الجنين الحي من داخل القشرة الصماء الميتة لبيض الكثير من الكائنات، وإخراج الأشجار والأزهار من حبة صماء لا يبدو عليها أثر الحياة. فهذه الأمور العجيبة تظهر طلاقة القدرة الإلهية وهي دليل عقلي للمتأمل على البعث بعد الموت ولذلك قال تعالى في نهاية الاَية الكريمة (وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)

الخميس، 12 يناير 2012

الأدلة العقلية للقراَن الكريم في إثبات الخلق والتوحيد والبعث 2

الأدلة العقلية للقراَن الكريم في إثبات الخلق والتوحيد والبعث 








معجزة خلق الإنسان هي من أعظم المعجزات الدالة على وجود خالق عليم قادر على بعث الناس وخلقهم من جديد يوم القيامة                                                 

أ د/مصطفى عبد المنعم

الأستاذ بكلية الطب – جامعة طيبة المدينة المنورة


ثالثا:أدلة البعث في القراَن الكريم
لا شك أن التكذيب بالبعث كان من أكثر الشبهات لدى الكافرين ومن أشد العقبات التي واجهها الرسول صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة الإسلامية.. وكان للكفار مواقف متباينة من هذا الأمر العظيم حالت بينهم وبين الإسلام، ولهذا فقد أطال القراَن الكريم في الرد عليهم وإثبات حتمية القيامة.. وقد تنوعت أساليب القراَن الكريم لإقامة الحجة على المخالفين.. فإذا استحضرنا ما سبق ذكره من أن أكثر من نصف سكان الأرض الآن لا يؤمنون ببعث ولا حساب، علمنا مدى أهمية دراسة منهج القراَن الكريم في إثبات حتمية البعث ومحاولة تدبر هذه الآيات الكريمة لنقيم عليهم الحجة، ولعل الله تعالى أن يهدي بنا رجلاً واحداً فنفوز في الدنيا والآخرة. ولأن القراَن الكريم قد أطال في بيان هذه المسألة، فسنتناولها بشيء من التفصيل، وسنبدأ بإذن الله ببيان موقف الكفار من قضية البعث وأسبابه ثم نوضح الدلائل التي ساقها القراَن الكريم لحسم هذه القضية من الناحية العقلية.
أولاً: مواقف الكافرين من البعث منذ زمن التنزيل :
موقف الكافرين من البعث كان دائما هو الإنكار والتعجب والتكذيب.
(ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد) (ق / 1- 3).
ثانياً: أسباب موقف الكافرين
أسباب ذلك الموقف فقد عددها القراَن الكريم.
1- الشهوة وحب التنعم بملذات الدنيا بلا رقيب ولا حسيب:
(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) (الأنعام/29)
(إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (المؤمنون/ 37)
(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ ).(الجاثية/24)
كانت الشهوة وحب التنعم بملذات الدنيا بلا رقيب ولا حسيب هي قائدهم في هذا الاعتقاد الفاسد... فالقيامة معناها الحساب على أعمال الدنيا والتقيد بالقوانين التي سيضعها من سيحاسبك، وهم قطعا لا يحبون من ذلك شيء. ولذلك فالله تعالى الذي خلق الإنسان وركب فيه الشهوة لم يحرمه منها بإطلاق وإنما هداه لما يصلح هذه الشهوة لما ينفعه في الدنيا والآخرة وربط ذلك بعبادة الله تعالى قال سبحانه:
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (الأعراف/32) فنبه الله تعالى الكافرين أن إيمانهم لا يحرمهم من التمتع بالدنيا بل هو الذي سيضع لهم القوانين التي تجعلهم يتمتعون بها من غير ضرر في الدنيا ثم في الآخرة نعيم مقيم وجنات تجري من تحتها الأنهار وما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
2- الشك:
(وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ) (الجاثية/ 32).
إن أمور العقيدة لا تبنى إلا على يقين.. وادعاؤهم (الشك) في أمر يقيني لم يكن ليغني عنهم شيئاً.
ويرد الله تعالى عليهم بدعوة للتأمل في ملكوت السموات والأرض ليحدث اليقين بطلاقة قدرة الله تعالى في الخلق والبعث، قال تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ) (إبراهيم/10)
3- الإعراض عن دلائل قدرة الله المطلقة في الكون وأنه على كل شيء قدير:
(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ) (يس/78)
أي من يستطيع ذلك، إعراضاً منهم عن دلائل قدرة الله تعالى، وقياسهم قوة الله على قوتهم بجهلهم وعدم إذعانهم لحقائق الكون. وقد عرض الله تعالى في الآية سبب هذا الزعم الفاسد وهو عدم التفاتهم إلى عظيم صنعة الله في خلقه لهم (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) وهذا النسيان إنما هو إعراضاً منهم عن تلك القدرة في الخلق التي تدحض شبهتهم في قدرة الله تعالى على إعادتهم وبعثهم بعد الموت.
وقد عرض القراَن الكريم شبهة جهلهم بقدرة الله في موضع اَخر لافتاً نظرهم إلى قدرة الله الظاهرة في الكون والتي تدل على طلاقة قدرته القاهرة والقادرة على بعثهم بعد الموت، قال تعالى:
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) (سبأ / 7- 9).
إن هذا الخلق العظيم يحمل دلالة طلاقة قدرة الله تعالى الذي لا يعجزه شيئ في الأرض ولا في السماء.
بل هون الله عليهم الأمر فقال تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (غافر/ 57) فكيف نشاهد الآيات العظيمة في هذا الكون المشاهد، والذي تتجلى لنا في كل يوم في زمن العلم المزيد من دلائل عظمة خلقه، ثم نشك في آية أقل منها وهي الخلق أو البعث.
4- التقليد الأعمى للأمم الكافرة التي سبقتهم:
قال تعالى: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (المؤمنون: آية 81- 83).
إنه التقليد المذموم من كل وجه، والذي قام على غير دليل ولا برهان ولا كتابٍ مبين.

5- الجدال باستحالة جمع أجزاء الإنسان بعد تحللها وتشتتها في باطن الأرض:
يدعي المجادلون أن الأجسام بعد موتها تتحلل إلى مكوناتها الأساسية التي قد تغيب في باطن الأرض أو تدخل في تركيب نبات يعود ليأكله حيوان.. إلى آخر تلك السلسلة الجدلية التي قد يفترضها المعاندون المكذبون فيستحيل جمع ذلك المتناثر من عهد اَدم إلى قيام الساعة في زعمهم
(وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (الرعد/ 5)
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (سبأ/ 7)
(وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ) (السجدة/10)
أي إذا تحللت أجسامنا وتاهت دقائقها في غيابات الأرض، فيكف تجمع لنبعث من جديد؟
والله تعالى يرد عليهم بدليل علمه المحيط سبحانه فيقول تعالى:
(قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ) (ق/4)
والحقيقة أن هذه الآية هي من فيض كرم الله تعالى علينا في كتابه الكريم، حيث يأخذنا في رحلة في ملكوت السموات والأرض نستصحب فيها طلاقة قدرة الله المعجزة التي تحفظ على الإنسان بعد موته مواضع غيابات دقائق جسمه مهما طال العهد ومهما تعقد الأمر. ومن رحمة الله بنا أنه لم يفصل لنا أكثر من ذلك لأن عقل الإنسان قد يقضى الساعات الطوال وهو يتأمل هذه الآية الكريمة التي لا تنقضي عجائبها، فكيف لو زاد التفصيل بما لا تحتمله عقولنا؟


الاثنين، 9 يناير 2012

الأدلة العقلية للقراَن الكريم في إثبات الخلق والتوحيد والبعث 1

الأدلة العقلية للقراَن الكريم في إثبات الخلق والتوحيد والبعث 



معجزة خلق الإنسان هي من أعظم المعجزات الدالة على وجود خالق عليم قادر على بعث الناس وخلقهم من جديد يوم القيامة

أ د/مصطفى عبد المنعم
الأستاذ بكلية الطب – جامعة طيبة المدينة المنورة
لا شك أنه قد بذلت جهود حثيثة على مدار التاريخ الإسلامي في الرد على أهل الكتاب وإثبات فساد عقيدتهم والتحريف الذي في كتبهم ،كان منها جهود العلامة ابن حزم في كتابه الرائع (الفصل في الملل والنحل) وكتاب العلامة رحمة الله هندي (إظهار الحق) وكتاب العلامة الشيخ أبو زهرة (محاضرات في النصرانية) ثم الجهود المباركة التي أحياها الشيخ أحمد ديدات ومن بعده خليفته الرائع الدكتور ذاكر نايك والذي هو ظاهرة فذة قلما تتكرر في الزمان ومع ذلك فيكاد يكون غير معروف في العالم العربي المسلم.
هذا غيض من فيض من جهود المسلمين الحثيثة في مخاطبة وجدال أهل الكتاب كما أمر الله تعالى:
(وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْـزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (العنكبوت/46)
ولكن في المقابل لا نجد هناك جهوداً مشابهة قد توجهت لخطاب الكفار من الملحدين الذين ينكرون الخلق والبعث والحساب واللأدريين الذين يشكون في الأمر ولا يوجد لديهم.. حسب زعمهم.. دليل يحسم مسألة الإيمان والكفر. ولعل السبب في ذلك أن بعض المسلمين قد ظنوا أن هذا النوع من الكفر كان ممثلاً في كفار قريش ولم يعد له وجود في هذا الزمان.. ولكن الحقيقة أنهم مازالوا موجودين بل يقدر عددهم.. ويا للعجب.. بنحو نصف سكان الأرض.. بعضهم ملحدين (Atheists) وبعضهم شاكين أو لا أدريين (Agnostics) والتقدير المتداول لعددهم في دولة مثل الولايات المتحدة يبلغ نحو 10% من السكان علماً بأن بعض من ينتسبون بحسب ولادتهم إلا عائلات مسيحية أو يهودية هم في الحقيقة من أحد هذين النوعين وهم لا يخجلون من ذكر عقيدتهم إذا سئلوا عنها إعمالاً لحرية الفكر والعقيدة التي نشئوا عليها كما يزعمون. والدارس للشبهات الواهية لكلتا الطائفتين (الملحدين واللأدريين) يجد أن هناك ملاحظات تتعلق بعقيدتهم والجدال معهم نذكرها فيما يأتي:
1- أنه لا فرق بين الشبهات التي أثاروها والشبهات التي كان يثيرها كفار مكة.
2- أنهم ليس لهم كتاب لتوضح لهم فساده ولا يؤمنون بكتابك لتستدل عليهم به. فليس هناك بديل عن محاججتهم بالأدلة العقلية.
3- أن القراَن الكريم قد ذكر عموم حججهم مع الرد العقلي عليها فهو خير معين على جدالهم بالأدلة الدامغة.

ولا شك أن العقيدة السليمة هي أساس الدين. و أن اعتماد القراَن الكريم للأدلة العقلية في محاججتهم وعدم اكتفائه بتقرير الحق والإعراض عما هم عليه من الباطل لهو منهج جدير بالدراسة واستخلاص العبر والدروس. ونورد هنا الأدلة العقلية التي ساقها القراَن الكريم للرد على ثلاثة مسائل هي في الحقيقة جوهر العقيدة ألا وهي مسائل الخلق والوحدانية والبعث. ونورد فيه المباحث الآتية:
أولاً: أدلة الخلق
ينكر الملحدين أن هناك خالقاً قد خلقهم، ويتوقف اللأدريين في المسألة ويدعون أن الأمر محتمل ولكن لايوجد دليل يحسم المسألة، والله تعالى يرد على هؤلاء وأولئك بقوله تعالى في اَية جامعة معجزة:
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) (الطور/35-36)
ثلاث حجج عقلية يواجه بها القراَن الكريم كلتا الطائفتين فيخيرهم بينها جميعا :
1- هل خُلقتم من لا شيء، وهل يمكن إعطاء مثال على شيء في الوجود وجد من لا شيء. إن هذا أصلاً بخلاف قوانين الكون التي نحيا عليه.
2- هل أنتم خالقون لأنفسكم.
3- هل أنتم الذين خلقتم السموات والأرض.
إن العقل السليم لا يستطيع بحال أن يجيب بإجابة تخالف النفي (لا) على الأسئلة الثلاثة. فإن لم تكن خُلقت من لا شيء، ولا أنت الذي خلقت نفسك، ولا أنت الذي خلق السموات والأرض، فإن هناك خالقاً لهذا الكون، أظهر لنا في جميل صنعته كمال قدرته، وخلق الكون على بناءٍ واحد ليقر بوحدانيته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لنعرفه بأسمائه وصفاته، وتودد إلينا وهو الغني عنا، وأخبرنا بفرحه بنا إن عصينا فتبنا فأنبنا، فهل نرغب عن هذا الرب الخالق البارئ المصور ونحيا في أوهام الخيالات لنصحو على الحسرة والندم.
ثانياً: أدلة وحدانية الله تعالى
إن الخالق الكريم الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد قد رد في كتابه العظيم رداً حاسماً ينير العقول ويأخذ بالألباب على من أدعى أن هناك آلهة غير الله تعالى لها في الكون نصيب وفي تدبيره منزلة، وذلك من وجهين:
الأول: أن من يدعي ذلك عليه أن يأتي بالدليل، وهيهات قال تعالى:
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا) (فاطر/40)
فهي دعوى بلا برهان، وطلب البرهان من المخالف هي قاعدة قرآنية مضطردة يجب إتباعها مع أصحاب الدعاوى.
والثاني: هو دعوة أصحاب العقول السليمة إلى تصور نتيجة هذا الزعم الفاسد:
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ )(الأنبياء/22)
ولك أن تقلب الأمر على كل وجه في هذا الكون لترى ببصيرتك صور هذا الفساد لو ادعينا جدلاً حدوث هذا الفرض المستحيل.
والجميل، أنه كلما تقدم الإنسان في العلم، ظهرت دلائل جديدة للوحدانية، وكأن لهذه الصفة الجليلة طابعاً يطبع كل ذرات الكون وكل خلايا المخلوقات الحية بخاتم التوحيد. ألسنا نرى الوحدانية في قوانين علوم الحياة سواء في قوانين الخلية أو قوانين المادة الوراثية كذلك في قوانين الفيزياء من الذرة إلى المجرة.
ففي قوانين علم الحياة: بنيت جميع الكائنات الحية على قاعدة الخلية وبنيت جميع المادة الوراثية من أربعة أحرف حتى بات العلماء ينقلون الجينات من نبات إلى آخر أو حتى من نبات إلى حيوان؟ وما ذلك إلا لأن الخالق واحد.
وفي قوانين الفيزياء: كل ذرات الكون قد بنيت على نسق واحد. من أبسط الذرات التي يدور فيها إليكترون واحد حول بروتون واحد إلى أثقل الذرات المعروفة وكل قوانين الفيزياء ثابتة على امتداد الكون حتى بات من الممكن حساب كل مسألة في الكون بنفس القوانين.
ويزداد الأمر وضوحاً حين يضرب الله تعالى المثل (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (الزمر/29)
ماذا لو كان إله الشمس غير إله الأرض، وحاشا لله، فأقام لها قوانين لا نفهمها أو بدل اليوم لها قانون غير قانون الأمس، ألم تكن الحياة على الأرض لتضطرب ثم تنعدم، وهل يترك خالق الأرض خالق الشمس يعبث بأهل الأرض أم يتقاتل الجبابرة فيهلك الخلق مثل خرافات وأساطير آلهة اليونان في القديم. وكيف كان لخالق الأرض أن يقول في كتابه لأهل الأرض (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ) (الرحمن/5) إن لم يكن له الخلق والأمر وليس معه في الكون شريك ولا نصير. ولذلك فقد نفى الله تعالى كل شبهه في هذه الآية المعجزة:
رب الأرض يطالب بعبادتك له بحق أنه خلقك ورزقك وسخر لك ما في الأرض جميعاً، ورب الشمس يطلب منك عبادته أكثر من رب الأرض لأنه لو حرمك ضوء الشمس لهلكت. أرأيت نعمة التوحيد ونعمة أن الله واحد لا شريك له في خلقه ولا في ملكه (الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)(العنكبوت/63)
إن الأمر في ذاته مع أنه دليل على الوحدانية فإنه نعمة تستحق الشكر، لأن الله تعالى ليس له ولد ولا شريك ولا ولي من الذل، وأنظر إلى هذا القيد المبهر (من الذل) ليخرج منه أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين يحبهم ويحبونه، أّذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. أليس هذا الإله بمستحق للتفرد بالعبادة والتودد بالحب.
(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) (الإسراء/111)
وقد تكررت آيات القراَن الكريم التي تقرر الوحدانية في النفوس وتنزع أدني شبهة قد تطرأ على ذهن أحد من البشر بدلالة تفرد الله تعالى بالخلق والأمر وعدم إدعاء أحد أنه خلق في هذا الكون شيئاً:
فقد رد الله تعالى علي كل من ادعي وجود الشريك بما لا يستطيعون له جواباً ويستحقون علي فعله عقاباً، قال تعالى:
فنعتهم بالظلم ووصف حالهم بأنهم ليس لهم برهان ولا دليل على ما يفترون.
(قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (الرعد/16)
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأحقاف/4)
(إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ) (النجم/23)
(وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) (المؤمنون/117)

الخميس، 29 ديسمبر 2011

الحزب الرابع الثمن الخامس

بسم الله الرحمن الرحيم




سورةالبقرة


الحزب الرابع الثمن الخامس



                                




 وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) 
وعلى الوالدات إرضاع أولادهن مدة سنتين كاملتين لمن أراد إتمام الرضاعة, ويجب على الآباء أن يكفُلوا للمرضعات المطلقات طعامهن وكسوتهن, على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا; لأن الله لا يكلف نفسًا إلا قدر طاقتها, ولا يحل للوالدين أن يجعلوا المولود وسيلة للمضارة بينهما, ويجب على الوارث عند موت الوالد مثل ما يجب على الوالد قبل موته من النفقة والكسوة. فإن أراد الوالدان فطام المولود قبل انتهاء السنتين فلا حرج عليهما إذا تراضيا وتشاورا في ذلك; ليصلا إلى ما فيه مصلحة المولود. وإن اتفق الوالدان على إرضاع المولود من مرضعة أخرى غير والدته فلا حرج عليهما, إذا سلَّم الوالد للأم حقَّها، وسلَّم للمرضعة أجرها بما يتعارفه الناس. وخافوا الله في جميع أحوالكم, واعلموا أن الله بما تعملون بصير, وسيجازيكم على ذلك.




 وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) 
والذين يموتون منكم, ويتركون زوجات بعدهم, يجب عليهن الانتظار بأنفسهن مدة أربعة أشهر وعشرة أيام, لا يخرجن من منزل الزوجية, ولا يتزيَّنَّ, ولا يتزوجن, فإذا انتهت المدة المذكورة فلا إثم عليكم يا أولياء النساء فيما يفعلن في أنفسهن من الخروج, والتزين, والزواج على الوجه المقرر شرعًا. والله سبحانه وتعالى خبير بأعمالكم ظاهرها وباطنها, وسيجازيكم عليها.
 وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) 
ولا إثم عليكم -أيها الرجال- فيما تُلَمِّحون به مِن طلب الزواج بالنساء المتوفَّى عنهنَّ أزواجهن، أو المطلقات طلاقًا بائنًا في أثناء عدتهن, ولا ذنب عليكم أيضًا فيما أضمرتموه في أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاء عدتهن. علم الله أنكم ستذكرون النساء المعتدَّات, ولن تصبروا على السكوت عنهن, لضعفكم; لذلك أباح لكم أن تذكروهن تلميحًا أو إضمارًا في النفس, واحذروا أن تواعدوهن على النكاح سرًا بالزنى أو الاتفاق على الزواج في أثناء العدة, إلا أن تقولوا قولا يُفْهَم منه أن مثلها يُرْغَبُ فيها الأزواج, ولا تعزموا على عقد النكاح في زمان العدة حتى تنقضي مدتها. واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فخافوه, واعلموا أن الله غفور لمن تاب من ذنوبه, حليم على عباده لا يعجل عليهم بالعقوبة.




الجمعة، 16 ديسمبر 2011

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  
                

صدق الله العظيم


سورة البقرة آية 220

                                   خواطر الشيخ الشعراوي حول الآية - الجزء الثاني- 


وبعد ذلك يكلفنا سبحانه بأن كل مؤمن عليه أن يأخذ مسئولية الإنفاق على الدائرة القريبة منه؛ ليتحمل كل موجود في الحياة مسئولية قطاع من المجتمع مربوط به رباطا نَسَبِيّاً؛ كالوالدين والأقربين. وأن نجعل الضعفاء من الأيتام مشاعاً على المجتمع مطلوبين من الجميع. سواءٌ كانت تربطهم بنا قرابة أو لا تربطنا بهم قرابة فهم جميعاً أقاربنا؛ لأن الله كلفنا بأن نرعاهم.
ولكن هل يمكن أن يستقر منهج الله دون أن يعاديه أحد؟ طبعاً لا؛ لذلك ينبهنا الحق إلى أننا سنجد أقواماً لا يسعدهم أن يطبق منهج الله في الوجود؛ لأنهم لا يعيشون إلا على مظالم الناس، هؤلاء قوم سيسوؤهم أن يُطبق منهج الله، فلتنتبهوا لهؤلاء؛ ولذلك فرض الحق سبحانه القتال حتى نمنع الفتنة بالكفر من الأرض؛ لأن الكفر يعدد الآلهة في الكون وسيتبع كل إنسان الهوى، ويصبح إلهه هواه وستتعدد الآلهة بتعدد الأهواء، ولذلك كتب الله على المؤمنين القتال وقال: * وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ * ، كل ذلك ليضمن لنا الغاية التي يريدها، وهي الدخول في السلم والسلام والإسلام كافة. وبعد ذلك يطلب منا أن نجاهد بأموالنا وأنفسنا وأن نهجر أوطاننا وأهلنا إن احتاجت إلى ذلك الحركة الإيمانية فقال:* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلـائِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *

[البقرة: 218]
ويلفتنا الحق بعد ذلك إلى قمة الجهاز التخطيطي في الإنسان ليحميه ويجعله جهازاً سليماً قادراً على التخطيط بصفاء وحكمة وقوة، وهو العقل، ويلفتنا بضرورة أن نمنع عن العقل كل ما يخمره أي يستره عن الحركة نمنع عنه الخمر لماذا؟ ليظل العقل كما يريده الله أداة الاختيار بين البدائل.
وما دام العقل هو الذي يخطط للطاقة الموجودة في الإنسان لتعمل في المادة الموجودة في الكون فيجب أن يظل هذا العقل المخطط سليماً، فلا يحاول الإنسان أن يستره، ولا يقل أحد: " إني أستره من فرط زيادة المشكلات " ، لا: لأن المشكلات لا تريد عقلاً واحداً منك فقط، ولكنها تريد عقلين، فلا تأتي للعقل الواحد لتطمسه بالخمر، فمواجهة المشكلات تقتضي أن نخطط تخطيطاً قوياً.
وبعد ذلك يحذرنا الحق أن نأخذ من حركة الآخرين بغير عرق وبغير جهد، فيحذرنا من الميسر وهو الرزق السهل، والتحذير من الميسر إنما جاء ليضمن لكل إنسان أن يتحرك في الحياة حركة سليمة لا خداع فيها. وكأن كل ما تقدم هو من إشراقات قوله الحق: * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ * ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:* وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىا قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *[البقرة: 220]
ونعرف أن اليتامى قد لا يدخلون في دائرة المحتاجين لكن الله ينبهنا إلى أن المسألة في اليتيم ليست مسألة احتياج إلى الاقتيات، ولكنه في حاجة إلى أن نعوضه بالتكافل الإيماني عما فقده من الأب، وذلك يمنع عنه الحقد على الأطفال الذين لم يمت آباؤهم. وحين يجد اليتيم أن كل المؤمنين آباء له فيشعر بالتكافل الذي يعوضه حنان الأب ولا يعاني من نظرة الأسى التي ينظر بها إلى أقرانه المتميزين عليه بوجود آبائهم، وبذلك تخلع منه الحقد.
وكان المسلمون القدامى يخلطون أموالهم بأموال اليتامى ليسهلوا على أنفسهم، وعلى أمر حركة اليتيم مئونة العمل، فلو أن يتيماً دخل تحت وصاية إنسان، وأراد هذا الإنسان أن يجعل لليتيم القاصر حياة مستقلة وإدارة مستقلة ومسلكاً مستقلاً في الحياة لشق ذلك على نفس الرجل، ولذلك أذن الله أن يخلط الوصي ماله بمال اليتيم، وأن يجعل حركة هذا المال من حركة ماله، بما لا يوجد عند الوصي مشقة. ولما نزل قوله تعالى:* وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ *[الأنعام: 152]
وتحرج الناس، وتساءلوا كيف يعاملون اليتيم خصوصا أن الحق سبحانه وتعالى قال:* إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىا ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً *[النساء: 10]
وكف الناس أيديهم عن أمر اليتامى، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يسهل الأمر، فأنزل القول الحق: * قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ * والمخالطة تكون على أساس أن اليتامى إخوانكم واحذروا جيداً أن يكون في هذا الخلط شيء لا يكون فيه إصلاح لليتيم.

وإياكم أن تفهموا أن الشكلية الاجتماعية تكفي الوصي في أن يكون مشرفاً على مال اليتيم دون حساب؛ لأن الله يعلم المفسد من المصلح. فلا يحاول أحد أن يقول أمام الناس: إنه قد فتح بيته لليتيم وإنه يرعى اليتيم بينما الأمر على غير ذلك؛ لأن الله يعلم المفسد من المصلح.
ويقول الحق: * وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ * والإعنات هو أن توقع غيرك وتدخله في أمر فيه مشقة، فلو لم يبح الله لكم مخالطتهم لأصابتكم مشقة فيسر الله للمؤمنين من الأوصياء أن يخالطوا اليتامى، ومعنى المخالطة: هو أن يُوحد الوصي حركة اليتيم مع حركته، وأن يوحد معاش اليتيم مع معاشه، بدلاً من أن يكون لليتيم على سبيل المثال أدوات طعام مستقلة، وقد كان هذا هو الحاصل.
وكان يفسد ما يتبقى من الطعام؛ فلم تكن هناك وسائل صيانة وحفظ الأطعمة مثل الثلاجات، وكان ذلك ضرراً باليتيم، وضرراً أيضا بمن يشرف عليه. لكن حين قال: * وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ * ، فكان ذلك توفيرا للمشقة على الأوصياء. فالمخالطة هي المعاشرة التي لا يتعثر فيه التمييز.
وقد درسنا في طفولتنا درسا بعنوان " الخلط والمزج " فالخلط هو أن تخلط على سبيل المثال حبوب الفول مع حبوب العدس، أو حبوب الأرز مع حبوب البندق.
وعندما تأتي لتمييز صنف من آخر، فأنت تستطيع ذلك، وتستطيع أن تفصل الصنفين بعضا عن بعض بالغربال؛ ولذلك فالمخالطة تكون بين الحبوب ونحوها.
أما المزج فهو في السوائل. والحق سبحانه يرشدنا أن نخالط اليتامى لا أن نمزج مالهم بمالنا؛ لأن اليتيم سيصل يوما إلى سن الرشد، وسيكون على الوصي أن يفصل ماله عن مال اليتيم.
ويتابع الحق: * وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ * لأن الوصي قد يدعي أمام الناس أنه يرعى حق اليتيم، وأنه يقوم بمصالحه ويحترم ماله، لكن الأمر قد يختلف في النية وهو سبحانه لم يكل الأمر إلى ظواهر فهم المجتمع لسلوك الوصي مع اليتيم وعن المخالطة، بل نسب ذلك كله إلى رقابته سبحانه، وذلك حتى يحتاط الإنسان ويعرف أن رقابة الله فوق كل رقابة، ولو شاء الحق لأعنت الأوصياء وجعلهم يعملون لليتيم وحده، ويفصلون بين حياة اليتيم وحياتهم ومعاشهم. وفي ذلك مشقة شديدة على النفس. وحتى نفهم معنى العنت بدقة فلنقرأ قول الحق سبحانه:* لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ *[التوبة: 128]
لقد جاءكم أيها المؤمنون رسول منكم، عربي ومن قريش يبلغكم رسالة الله سبحانه وتعالى. يحرص عليكم كيلا تقعوا في مشقة أو تعيشوا في ضنك الكفر، حريص على أن تكونوا من المهتدين.

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يأتي من جنس الملائكة، ولكن جاء من جنس البشر، فلا يقولن أحد: إنه لا يصلح أسوة لي. إنه نشأ في مكة التي تعيش بها قريش، وتاريخه معروف لقومه: بدليل أنهم خلعوا عليه أول الأوصاف المطلوبة والواجبة للرسالة وهي الأمانة، فالحق جاء به من البشر وليس بغريب عليهم، وبمجرد أن أخبر بالوحي وجد أناسا آمنوا به قبل أن يقرأ قرآنا، وقبل أن يأتيهم بتحدٍ. " فعندما جاءه المَلَكُ جبريلُ عليه السلام في غار حراء، فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، [أي ضمني وعصرني، والحكمة فيه شغله عن الالتفات ليكون قلبه حاضراً] ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني وقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني الثالثة فغطني ثم أرسلني فقال: * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال لها: " زملوني. زملوني ". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: " لقد خشيت على نفسي " لكن خديجة رضي الله عنها بحسن استنباطها تقول: " كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق " ".
إن خديجة رضوان الله عليها تستنبط أن من فيه هذه الخصال إنما هو مهيأ للرسالة.* لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ *[التوبة: 128]
أي محب لكم يشق عليه ويتعبه ما يشق عليكم ويتعبكم؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم مشغولا بأمته. ويروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أمتي. أمتي. أمتي ". والحق سبحانه وتعالى يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشغول بأمته. " عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي.. * الآية. وقال عيسى عليه السلام: * إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: " يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك. فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " ".


إننا عندما نتأمل دقة الجواب النبوي نعرف أن الرسول الكريم مشغول بأمته، ولكنه ينظر إلى نفسه على أنه أخ لكل مؤمن. والأخ قد يتغير على أخيه؛ لذلك لم يشأ الرسول الكريم أن يُخرج أمر المسلمين من يد الله ورحمته وهو الخالق الكريم إلى أمره هو صلى الله عليه وسلم.
إن الرسول يعرف أن الله أرحم بخلقه من أي إنسان، حتى الرسول نفسه. نقول ذلك في معرض حديثنا عن العنت الذي يمكن أن يصاحب الإنسان أن لم يرع حق الله في مال اليتيم؛ لأن الله عزيز حكيم، وهو الحق الذي يغلب ولا يغلبه أحد. ونرى في قول الحق: * إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * أن صفة العزة متآزرة بصفة الحكمة.
وبعد ذلك يدخل معنا الحق سبحانه وتعالى في مسألة جديدة لو نظرنا إليها لوجدناها أساس أي حركة في الحياة وفي المجتمع، إنها مسألة الزواج. ويريد سبحانه أن يضمن الاستقرار والسعادة للكائن الذين كرمه وجعله خليفة في الأرض، وجعل كل الأجناس مسخرة لخدمته.
إن الحق يريد أن يصدر ذلك الكائن عن ينبوع منهجي واحد؛ لأن الأهواء المتضاربة هي التي تفسد حركة الحياة، فأراد أن يصدر المجموع الإنساني كله عن ينبوع عقدي واحد، وأراد أن يحمي ذلك الينبوع من أن يتعثر بتعدد النزعات والأهواء، لذلك ينبهنا الحق إلى هذا الموقف. إنه سبحانه يريد سلامة الوعاء الذي سيوجد ذلك الإنسان، من بعد الزواج، فبالزواج ينجب الإنسان وتستمر الحياة بالتكاثر. ولذلك لابد من الدقة في اختيار الينبوع الذي يأتي منه النسل. فهو سبحانه يقول: * وَلاَ تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىا يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ
 ... *

الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

الحزب الرابع الثمن الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم

سورةالبقرة

الحزب الرابع الثمن الرابع



                                        



 وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) 
والمطلقات ذوات الحيض, يجب أن ينتظرن دون نكاح بعد الطلاق مدة ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات على سبيل العدة; ليتأكدن من فراغ الرحم من الحمل. ولا يجوز لهن تزوج رجل آخر في أثناء هذه العدة حتى تنتهي. ولا يحل لهن أن يخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل أو الحيض, إن كانت المطلقات مؤمنات حقًا بالله واليوم الآخر. وأزواج المطلقات أحق بمراجعتهن في العدة. وينبغي أن يكون ذلك بقصد الإصلاح والخير, وليس بقصد الإضرار تعذيبًا لهن بتطويل العدة. وللنساء حقوق على الأزواج, مثل التي عليهن, على الوجه المعروف, وللرجال على النساء منزلة زائدة من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف والقِوامة على البيت وملك الطلاق. والله عزيز له العزة القاهرة, حكيم يضع كل شيء في موضعه المناسب.
 الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) 
الطلاق الذي تحصل به الرجعة مرتان, واحدة بعد الأخرى, فحكم الله بعد كل طلقة هو إمساك المرأة بالمعروف, وحسن العشرة بعد مراجعتها, أو تخلية سبيلها مع حسن معاملتها بأداء حقوقها, وألا يذكرها مطلقها بسوء. ولا يحل لكم- أيها الأزواج- أن تأخذوا شيئًا مما أعطيتموهن من المهر ونحوه, إلا أن يخاف الزوجان ألا يقوما بالحقوق الزوجية, فحينئذ يعرضان أمرهما على الأولياء, فإن خاف الأولياء عدم إقامة الزوجين حدود الله, فلا حرج على الزوجين فيما تدفعه المرأة للزوج مقابل طلاقها. تلك الأحكام هي حدود الله الفاصلة بين الحلال والحرام, فلا تتجاوزوها, ومن يتجاوز حدود الله تعالى فأولئك هم الظالمون أنفسهم بتعريضها لعذاب الله.
 فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(230) 
فإن طلَّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة, فلا تحلُّ له إلا إذا تزوجت رجلا غيره زواجًا صحيحًا وجامعها فيه ويكون الزواج عن رغبة, لا بنية تحليل المرأة لزوجها الأول, فإن طلقها الزوج الآخر أو مات عنها وانقضت عدتها, فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتزوجا بعقد جديد, ومهر جديد, إن غلب على ظنهما أن يقيما أحكام الله التي شرعها للزوجين. وتلك أحكام الله المحددة يبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده; لأنهم المنتفعون بها.



 وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) 
وإذا طَلَّقتم النساء فقاربن انتهاء عدتهن, فراجعوهن, ونيتكم القيام بحقوقهن على الوجه المستحسن شرعًا وعرفًا, أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن. واحذروا أن تكون مراجعتهن بقصد الإضرار بهن لأجل الاعتداء على حقوقهن. ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه باستحقاقه العقوبة, ولا تتخذوا آيات الله وأحكامه لعبًا ولهوًا. واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام وتفصيل الأحكام. واذكروا ما أنزل الله عليكم من القرآن والسنة, واشكروا له سبحانه على هذه النعم الجليلة, يُذكِّركم الله بهذا, ويخوفكم من المخالفة, فخافوا الله وراقبوه, واعلموا أن الله عليم بكل شيء, لا يخفى عليه شيء, وسيجازي كلا بما يستحق.
 وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) 
واذا طلَّقتم نساءكم دون الثلاث وانتهت عدتهن من غير مراجعة لهن, فلا تضيقوا -أيها الأولياء- على المطلقات بمنعهن من العودة إلى أزواجهن بعقد جديد إذا أردن ذلك, وحدث التراضي شرعًا وعرفًا. ذلك يوعظ به من كان منكم صادق الإيمان بالله واليوم الآخر. إن تَرْكَ العضل وتمكين الأزواج من نكاح زوجاتهم أكثر نماء وطهارة لأعراضكم, وأعظم منفعة وثوابًا لكم. والله يعلم ما فيه صلاحكم وأنتم لا تعلمون ذلك.